الشيخ محمد السبزواري النجفي
211
ارشاد الاذهان الى تفسير القرآن
118 - وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا . . . أي أنه تعالى تاب أيضا على الثلاثة الذين تأخروا عن مرافقة النبيّ ( ص ) في حرب تبوك ، وهم : كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية الذين تخلّفوا عن الزحف لا عن نفاق بل عن توان ، ثم ندموا وجاؤوا إلى النبيّ ( ص ) بعد رجوعه ليعتذروا فلم يكلّمهم وهجرهم وأمر المسلمين بهجرهم ، فهجروهم ، حتى الصبيان ، فجاءت نساؤهم إلى النبيّ ( ص ) فقلن : يا رسول اللّه نعتزلهم ؟ فقال : لا ، ولكن لا يقربوكنّ . فضاقت عليهم المدينة فخرجوا إلى رؤوس الجبال وكان ذووهم يأتونهم بالطعام ولا يكلّمونهم ، ولمّا رأوا هذه الحال تهاجروا فيما بينهم وتفرّقوا ولم يجتمع منهم اثنان حتى مضى خمسون يوما كانوا أثناءها يتضرّعون إلى اللّه ويبتهلون فقبل اللّه توبتهم وأنزل فيهم هذه الآية . . . حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ أي ضاقت عليهم مع سعتها . وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ لشدّة الغم التي غمر صدورهم وَظَنُّوا أي اعتقدوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ أي لا عاصم منه إِلَّا إِلَيْهِ بصدق التوبة ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا يعني سهّل لهم طريق التوبة ليعودوا إلى حالتهم الأولى إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ الكثير القبول للتوبة من عباده الرحيم بهم . 119 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ . . . خطاب منه سبحانه للمؤمنين يشرّفهم به إذ يخاطبهم آمرا إياهم باجتناب معاصيه واتّباع أوامره بالطاعات . وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أي اقتدوا بالصادقين الذين لا يكذبون في قول ولا فعل . وروى الكلبي عن ابن عباس : كونوا مع الصادقين : مع عليّ وأصحابه ، وعن الباقر ( ع ) : مع آل محمد ( ص ) . وقيل غير ذلك . 120 - ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ . . . أي ليس لأهل المدينة ومن يحيط بهم مِنَ الْأَعْرابِ سكّان البادية أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أي عن الغزو معه إلى تبوك ، أو غيرها بغير عذر مشروع وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ وليس لهم ، ولا لأحد أن يطلب نفع نفسه دون نفس رسول اللّه ( ص ) ذلِكَ أي ذلك النهي عن التخلّف بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ عطش وَلا نَصَبٌ تعب بدنيّ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي مجاعة وهم في طريق طاعته سبحانه وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ يعني : ولا يضعون أقدامهم في موضع ليجلبوا الغيظ للكفار حين مهاجمتهم وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا أي : ولا يصيبون من أعدائهم أمرا من القتل والسّبي والكسب ، إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إلّا اعتبره اللّه تعالى طاعة مقرّبة إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أي لا ينقص العاملين شيئا من عملهم الحسن الذي يستحقون به المدح والثواب . 121 - وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً . . . أي أن المجاهدين مع النبي ( ص ) لا يقدّمون من نفقة في الجهاد صغيرة أو كبيرة وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً أي : لا يتجاوزونه في حال زحفهم إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ أجر ذلك وثوابه لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ يأجرهم بقدر استحقاقهم بل أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ لأنه تعالى متفضل كريم يجعل الثواب دائما أحسن من العمل . 122 - وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً . . . كان رسول اللّه ( ص ) إذا خرج في غزو لا يتخلف عنه إلّا المنافقون والمعذرون ، ففضح اللّه تعالى المنافقين في تلك الغزوات ، فصار المسلمون ينفرون جميعا كلّما أمر رسول اللّه ( ص ) بالسرايا ويتركون رسول اللّه ( ص ) وحده ، فأنزل سبحانه أن ليس للمؤمنين أن يخرجوا إلى الجهاد بأجمعهم ويتركوا النبيّ ( ص ) وحيدا . وقيل نزلت في النّفر للتفقه في الدين فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ جماعة معدودة لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ التفقه في الدين هو طلب الفقه أي العلم به . وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ أي ليخوّفوهم إذا عادوا وليعلّموهم القرآن والسنّة لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ أي عسى أن يخافوا سخط اللّه فلا يعملون بخلاف ما أمر ؟ .